ذاكرة عراقية

الماسونية.. يسّرت التقرب من المدينة وأطفأت لهيب العصبيات!

 

صلاح الدين سلمان جعفر

كاتب عراقي 

 

المعلومُ ان الماسونية مأخوذة من لفظة (ماسون) الانكليزية التي تعني البناء أو المعمار، ويضاف اليها لفظة أخرى هي (فري) أي حر ومن هنا جاء اسم الماسونية وعادة يسمى الماسوني (فرمسوني) أو (فرمصولي).

وقد أخذت الماسونية هذا الاسم منه لأن جذورها تتصل بنقابات البنائين القديمة والماسونيون يرجعون أصل التسمية الى نقابة البنائين الذين بنوا هيكل سليمان عام 1012 قبل الميلاد، وبعض الباحثين يذهب الى ان الماسونية يرجع أصلها الى النقابات التي ظهرت في بريطانيا فترة تشييد الكنائس والأديرة منذ القرن الثاني عشر على اثر الفتح النورماندي.. حتى قيل ان 500 كنيسة بنيت خلال عشرين عاماً، وكان أعضاء النقابات مسيحيين مخلصين ولا يقبلون عضواً جديداً إلا بعد ان يحلف بالتوراة على انه سيكون مخلصاً لأخوانه وان يحافظ على أسرار المهنة. وكان لهذه النقابات رموز واشارات سرية يتعارف الأعضاء بها فيما بينهم.

لقد كانت الماسونية القديمة تضم بين صفوفها البنائين فقط، أما الماسونية الحديثة فهي تضم في محافلها كل من يريد الانتماء اليها على ان يكون محترماً في وسطه وذا تفكير علمي وذلك لنمو الأفكار الانسانية والديمقراطية الحديثة وتضاؤل بناء الكنائس من جهة ثانية. ومع ذلك فقد حافظت على الكثير من طقوس النقابات ورموزها فنجد ان شعارها مؤلف من البركال والزاوية القائمة والمثلث والشاقول.

وينظر الماسونيون الى هيكل سليمان نظرة احترام وتقديس بوصفه أول بناء لعبادة الله الذي يسمونه (مهندس الكون الأعظم).. وهم يحترمون كذلك رجلاً من أهل صور يدعى (حيرام أبي) وكان يتقن صنعة النحاس وقد استخدمه سليمان في زخرفة هيكله كما ورد في التوراة. ولهذا يطلق الماسونيون على أنفسهم كنية (أبناء الأرملة) اشارة الى حيرام الذي وصفته التوراة بأنه كان ابن أرملة.

هل للماسونية دين محدد تدعو له؟

يعتقد بعض الباحثين ان سرعة انتشار الماسونية في العالم كان بمثابة ردة فعل للصراع والنزاع بين الأديان المختلفة وبين المذاهب.. حيث ان المحافل الماسونية أخذت بضم وقبول كل متدين بغض النظر عن اسم دينه ومحتواه حيث ضمت المسيحي والمسلم واليهودي والمجوسي والبوذي والكونفوشيوسي والبراهيمي والبهائي وغيرهم.. حيث تقوم فلسفة الماسونية على ان الأديان كلها متفقة على الايمان بوجود الله وبخلود الروح، ولهذا فالماسونية تكتفي من العضو ان يكون مؤمناً بهذين الأمرين، وتترك له بعد ذلك حرية العبادة والعقيدة كما يشاء.. حيث كانت بمثابة دعوة الى التآخي بين الأديان ومن هنا جاءت مبادئها الثلاثة (الحرية والاخاء والمساواة) والدعوة الى ان يكون المرء فاضلاً صادقاً ذا عفة وشرف ولهذا صارت الماسونية مهداً للاتحاد وسبيلاً لبث الصداقة الخالصة بين الناس.. وهي تمنع الأعضاء من المناظرة في الأمور المذهبية التي توجب الضغائن وتولد التعصب وهي آفة العمران وباب الخراب وهذه أكبر نعمة من نعم الماسونية جاءت بها على البلدان التي دخلتها كما جاء في (الآداب الماسونية) لشاهين مكاريوس وجاء في كتابه (الحقائق الأصلية).. والماسونية منتشرة انتشاراً يحسدها عليه أعظم الأديان الموجودة التي امتدت في أقطار المعمورة.. فالماسونية تصلح ما فسّر من عقائد الأديان بتعليمها المحبة والتواثق على السرّاء والضرّاء.يقول علي الوردي: (لا حاجة بنا الى القول ان هذه الدعوة الى التآخي بين الأديان لابد ان تغضب رجال الدين وان القساوسة ولاسيما الكاثوليك منهم اعتبروا الماسونية دعوة الى نبذ المسيحية.. ومن هنا بدأت الظنون والشبهات تحوم حول الماسونية في كل مكان ذهبت اليه).

هل هناك احصاء للمحافل الماسونية؟

ورد في دائرة المعارف الدولية لعام 1964 ان عدد المحافل (32) ألف محفل ويقدر عدد أعضائها بين (5ـ 6) ملايين.. وليس للماسونية مركز عالمي لكن لها محافل رئيسة مستقلة بعضها عن بعض ولكل محفل رئيس محافل اعتيادية تابعة له ويسمى المحفل الرئيس (المحفل الأكبر) أو (الشرق السامي).. واذا أسس مثل هذا المحفل في أحد الأقطار وجب الحصول على اعتراف المحافل الرئيسة من الأقطار الأخرى به.

وللماسونية درجات أساسية ثلاث موجودة في كل المحافل تقريباً وهي (المبتدئ، الزميل، الأستاذ).

لماذا ينتمي الناس الى الماسونية؟

يجيب على هذا التساؤل شاهين مكاريوس في كتابه (الأداب الماسونية) ص80ـ 84:

1ـ الرغبة في الحصول على المساعدة التي تقدمها الماسونية لمن ينتمي اليها.

2ـ حب الاطلاع على الأسرار الماسونية.

3ـ الاعجاب بالماسونية ومبادئها.. يقول شاهين: (ان الذين يدخلون الماسونية بدافع الحب هم الفريق الأعظم وهو الركن الأكبر للبناء الفخيم الذي أسسه لنا الأجداد العظام في العصور الخالية).. يقول علي الوردي (أستطيع أن أقول ان الماسونية لو لم تكن تؤدي لأعضائها بعض المنافع لما انتمى اليها إلا القليل من الناس ولربما ماتت بعد ولادتها بزمن قصير).

ان الماسونية كانت منذ ولادتها وما زالت حتى الآن تحرص على ان تضم في محافلها اشخاصاً من ذوي النفوذ والثروة أو المكانة العالية في المجتمع، وهذا أمر يؤدي بطبيعته الى إغراء الكثير من الناس الى الانتماء اليها، لأن الانسان يميل عادة الى الدخول في زمرة طبقة أعلى من طبقته، وهذا في رأي (وما زال الكلام لعلي الوردي) هو مفتاح السحر الذي أمتلكته الماسونية وجعلت الناس يتهافتون عليها). ان صغار الناس يجدون في الماسونية مجالاً للتقرب من الكبار ونيل صداقتهم.. أما الكبار أنفسهم فهم قد يجدون في الماسونية مجالاً لتكثير أنصارهم ودعاتهم بين الجمهور وهكذا تكون المنفعة متبادلة بين صغار الناس وكبارهم عن طريق الماسونية.

ان الماسونيين يطلقون على أنفسهم اسم (العشيرة) ويقصدون بذلك انهم كأفراد العشيرة في ولائهم بعضهم لبعض وفي تضامنهم في السراء والضراء وكل واحد منهم يعتبر الآخر آخاً له ويناديه يا أخي واذا ذهب أحدهم الى أخ له في الماسونية وأبدى له الاشارة السرية فالمفروض في هذا الأخ ان ينهض لمساعدته في أسرع وقت وبأقصى جهد.

هل أفادت الماسونية أحداً من منتسبيها؟

من أهم المنافع التي يجنيها الماسوني من انتمائه اليها هي مساعدة اخوانه له في السفر والغربة. فالمحافل الماسونية منتشرة في أنحاء العالم، ويستطيع الفرد الماسوني ان يطلب المعونة منهم عند حاجته اليها في أي مكان يذهب اليه.. فهو اذا كان في بلدة لا يعرف فيها أحداً ذهب الى الأماكن العامة التي يرتادها الناس عادة كالمتنزهات والملاهي والمسارح.. وأبدى الاشارة الماسونية، يسرع اليه الماسونيون ليسألوه عن حاجته محاولين مساعدته جهد امكانهم. ويذكر شاهين في كتابه (فضائل الماسونية) أمثلة منها:

1ـ رجل ماسوني من أهل الشام سافر الى باريس للتجارة وضارب في البورصة فأفلس فيها وقد تملكه الحزن واليأس حتى كاد يرمي بنفسه في نهر السين، ثم اهتدى أخيراً الى محفل ماسوني فدخل عليهم مستنجداً وقد رحب به الأعضاء وبذلوا الجهد لمساعدته حيث عينوه في عمل تجاري براتب شهري قدره (300) فرنك.

2ـ أحد رؤساء المكسيك السابقين كان في بداية أمره ضابطاً ثائراً وقد هرب من بلاده والتجأ الى مدينة أورليانز وهناك ضاقت به الدنيا وكان ماسونياً، فوضع الاشارة الماسونية على صدره وأخذ يمشي في شوارع المدينة فتعرف عليه ماسوني يعمل محاسباً في باخرة وساعده على العودة سراً الى بلاده، وقد صار الضابط الهارب فيما بعد رئيساً للجمهورية ويدعى(ديّاز) وبحث عن منقذه الماسوني فعيّنهُ قنصلاً عاماً في باريس.. والقائمة تطول والمجال لا يسع.

أ الماسونية عملت على الفرقة أم التقريب؟

يقول محمد سعيد وهو ماسوني في كتابه (ما هي الماسونية وما هو الماسوني؟) ص27ـ 28:

(ان الماسونية منذ ظهرت في الشرق لطفت من حدته، وذهبت بشرته وقضت على عصبيته، فقد خدمت بذلك مدنية الغرب وسهلت لأقوامها أسباب الاختلاط بالشرقيين والاستفادة من أقطار الشرق الذهبية.. حيث أنبتت حياة الحرية وغرست أغراس الاخاء في أقطار وممالك تظن به على غير أبناء الجنس والمذهب والدين وبذرت بذور المساواة في أرض تأصلت فيها الطبقية فالقوي فيها متأله يستضعف الفقير ويستعبده ويستخدمه في مرافقه ويعايشه معايشة الانسان للحيوان الأعجم.. يرهب الاختلاط بأهله كل غربي، يخشى من نتائج الهجرة اليه كل متمدن.. ثم يضيف محمد سعيد المراغي: ان المبشرين الأوروبيين جاؤوا الى الشرق وبذلوا فيه الملايين من الذهب والفضة، كما وجهوا اليه الأساطيل والجيوش فلم يحضوا منه بطائل.

ثم جاءت الماسونية أخيراً فنجحت حيث فشل المبشرون، إذ هي تمكنت من تلطيف حدة العصبيات وأطفأت لهيب الأحقاد القومية فخدمت بذلك الانسانية أجلّ خدمة.

هل دخلت الماسونية العراق؟

ليس هناك معلومات مضبوطة عن نشاط الماسونية في العراق في العهد العثماني وكل ما هو معروف ان الشيخ خزعل أمير المحمرة كان ماسونياً نشيطاً وقد نال من الأوسمة لقاء خدماته للماسونية.. كما انه ساعد على تأسيس المحافل الماسونية في العراق وأدخل فيها بعض المتصلين به من أعيان العراق وأدبائه.وقد ازدهرت الماسونية في العراق عقب الحرب العالمية بتشجيع بعض البريطانيين وقد عثر علي الوردي على مصدر ماسوني انكليزي جاءت فيه هذه العبارة:(أخبرنا الأخ جي.في. كولز) ان الماسونية ازدهرت في العراق منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى قيام اسرائيل وعند ذلك تعطلت مؤقتاً، ثم انتعشت من جديد حتى قيام الجمهورية العراقية.مرت الماسونية العراقية في الثلاثينيات وما بعدها بمرحلة سادها التكتم الشديد وأصبح الشخص الماسوني لا يعلن عن ماسونيته أمام الناس وربما أنكرها.ويبدو ان السبب هو استفحال الدعاية النازية ثم الدعاية الشيوعية في العراق آنذاك، والمعروف ان النازية والشيوعية متفقتان على احتقار الماسونية ومحاربتها، فالنازية تعتبر الماسونية صنيعة النفوذ البريطاني والفرنسي، بينما الشيوعية تعتبرها منظمة برجوازية تدور في فلك الغرب.

 

 

 

علماء في الذاكرة

السيد أبو القاسم الخوئي

 

جعفر لبجة

كاتب عراقي

 

نقف اليومَ على تراث واثر علمي بارع، ذلك هو المجدد السيد الخوئي ابو القاسم نجل العلامة الكبير السيد علي اكبر ابن السيد هاشم الموسوي الخوئي، ولد في مدينة “خوى” الواقعة على الحدود بين اذربيجان وايران.ولد (رحمه الله) عام 1316هـ - 1897م من ابوين كريمين حيث تربى في مهد العلم والفضيلة بين احضان والده العلامة الجليل فعلى هذا الوالد الكريم تلقى السيد الخوئي بدايات العلوم . جاء السيد الخوئي مع اخيه الى النجف بحدود عام 1910 فتوجه الى الدراسة الدينية الاولية منصرفا لاتقان مقدمات العلوم حتى لمع نجمه وبرز بين اقرانه واصبح يشار اليه بالبنان. فاكمل المقدمات والسطوح في اقل من ست سنوات، ثم توجه رحمه الله الى صدر البحث الخارج وحلقات العلم الكبرى في عام 1336هـ - 1918م فقهاً واصولا على اساطين العلم والمعرفة في عصره من الذين انتهت اليهم الرياسة والمرجعية منهم: شيخ الشريعة الاصفهاني الشيخ فتح الله بن محمد بن جواد الاصفهاني وهو من زعماء ثورة العشرين والشيخ العلامة محمد جواد البلاغي والشيخ المرزا محمد حسين النائيني، واختص بالاخير ولازمه مدة اربع عشرة سنة.وبقي السيد الخوني (رحمه الله) متنقلا بين حلقاتهم العلمية زهاء ثمانية عشر عاما مستفيدا من بحار علومهم حتى شهد له جمهرة من العلماء والفقهاء باجتهاده المطلق وزود بشهادة علمية واجازات اجتهادية تليق بشأنه. كما حصل السيد الخوئي (رحمه الله) على اجازات عدة في الرواية من الاساتذة العظام فهو يروي من عدة طرق للكتب الاربعة المعروفة عند الشيعة الامامية تصدى للتدريس وقد بدأ بتدريس مرحلة السطوح بعد ان تفرغ من تحصيلها بمهارة. وبعد الاجتهاد وشهود العلماء له بالكفاية العلمية تصدى الى تدريس البحث الخارج، فكان مجلس بحثه هو الاول من نوعه فقد كان تحضره المئات من رواد العلم والفضيلة.وكانت محاضراته منصبة على دراسة الفقه والاصول .انبرى السيد الخوئي لخوض تجربة علمية خالدة وموسوعة اكاديمية بارعة ومشروع رجالي افصح عن عمق شخصية العلمية في خصوص هذا الميدان فافاض علينا بكتابه (معجم رجال الحديث) هذا السفر الخالد الذي ناقش فيه الاسانيد الرجالية واضعا من القواعد العلمية الجديدة لهذا العلم ما يعد فتحا مبينا فيه.

ثم برز في ميادين التفسير فكان كتابه (البيان في تفسير القرآن) اما على مستوى الفقه والاصول فقد كان كما قيل فيه “مدرس النجف الاول” عندما كان يلقي  بحثه في مسجد الخضراء الملاصق لصحن الامام علي (عليه السلام) حيث كانت محاضراته في الفقه على كتاب المكاسب للشيخ الانصاري، وقد درس هذا الكتاب دورتين مع كتب فقهيه اخرى، فكل دورة خرج منها العشرات من العلماء والفقهاء. واما محاضراته في اصول  الفقه فقد درس علم الاصول لست دورات فكان مجلس بحثه ودرسه اوسع الدروس والبحوث حضورا وانتشارا.

ويذكر الدكتور محمد حسين الصغير نقلا عن الشيخ سلمان الخاقاني “في اواخر الستينيات من القرن العشرين احصي الفي امام جماعة في العالم الاسلامي من تلامذة السيد الخوئي هذا قبل مرجعيته المباركة وقد تخرج من مدرسته الالاف حتى برز منهم المجتهدون الكبار والمراجع العظام.وقد نذر نفسه لخدمة العلم وكان همه التحقيق والتدقيق والبحث والتدريس، وقد رافقه التوفيق واعانته المشيئة الالهية فربى اجيالا من العلماء والفضلاء الذين التفوا حول منبره الشريف ونهلوا من عذب فراته طوال عقود من الزمن.بعد رحيل السيد الحكيم ثنيت للسيد الخوئي الوسادة، فتصدى للمرجعية الدينية فكانت مرجعيته مرحلة رائعة.

واثر ان يبقى الاب الوفي لهذه المرجعية فربى العلماء الاعلام الذين صاروا من بعده حاملي لواء الاسلام ومشعل الدعوة ولا يمكن ذكر طلبته بهذه السطور لكثرتهم.اخيرا وفي اليوم الثامن من صفر سنة 1413هـ - 1992م اختار الله لهذا الاثر العلمي الخالد دار البقاء فتوفي في النجف الاشرف اثر نوبة قلبية مفاجئة ودفن في مسجد الخضراء فاقيمت له المجالس والمآتم في العديد من الاقطار الاسلامية..

 

 

 

 

في أثناء وجوده في مدرسة يهودية ببغداد

أبو زوعة يباغت الجنرال مود ويقضي عليه!

 

مجيد اللامي

كاتب عراقي

 

فيْ سنة 1889 تفشت الهيضة في بغداد على عهد واليها مصطفى عاصم باشا فأثارت ضحاياها المتكاثرة يوماً بعد يوم الرعب في نفوس السكان وأخذ الكثير منهم يغدون الى القرى والأرياف لينجوا بأنفسهم منها وكان بين هؤلاء عدد كبير من المتنفذين ووجوه البلد ونفر من أبناء الطوائف غير المسلمة ولاسيما اليهود وقد ظل الوباء يقضي على مئة وثلاثين ضحية يومياً خلال مدة تزيد على الشهر حتى أخذ عدد الضحايا بالتناقص فكان من الطبيعي والحالة هذه ان تتوقف الحركة في المدينة فتغلق الأسواق وتنقطع السابلة وتقل الأقوات والأرزاق.

وآخر ما يمكن ذكره هنا من حوادث الهيضة التأريخية في العراق تفشي هذا المرض المخطر في بغداد وغيرها من مدن العراق سنة 1917 ووفاة الجنرال مود فاتح بغداد بسببها فقد جلبت الجيوش البريطانية الفاتحة (أبا زوعة) معها من الهند وكانت قد نزلت الى البر في الفاو يوم 6 تشرين الثاني 1914 واستولت على بغداد في 11 آذار 1917 وقد لوحظ انتشار الهيضة خلال الأشهر الستة الأخيرة من 1917 ومع جميع التدابير الوقائية الصحية التي اتخذتها سلطات الاحتلال العسكرية في مكافحة هذا المرض وحصر انتشاره بالتلقيح الذي كان يجري اجبارياً في الطرق وغيرها فقد ظل يفتك بالناس ويودي بحياة الكثير من الضحايا كل يوم وكان من جملة من أصيب به وتوفي فيه فاتح بغداد الأنكليزي الجنرال ستانلي مود فقد قضى نحبه في يوم 18 تشرين الثاني فأبتلعته أرض العراق وغيبته بين طياتها، كما ابتلعت كثيراً من المحتلين من قبله ومنهم كبيرهم الاسكندر المقدوني الذي مات بـ(الملاريا) على ما يظن في منطقة عقرقوف القريبة من بغداد.

ومن المعتقد ان عدوى الهيضة قد سرت الى الجنرال مود من حليب تناوله مع القهوة في مدرسة الأليانس اليهودية ببغداد حينما دعي اليها لحضور حفلة اقامتها تكريماً له الطائفة اليهودية ببغداد مساء يوم 14 تشرين الثاني..

ويذكر السر أرنولد ويلسون في كتابه (بين النهرين) ان الجنرال مود لم يشأ ان يلقح نفسه ضد الهيضة مع انه كان يصر على تلقيح جنوده وأفراد قواته كلهم فضلاً عن تلقيح الأهالي وكان يعتقد انه متقدم في السن بحيث تتكون مناعة خاصة في جسمه ضد المرض!

 

 

 

 

مرافق الملك غازي يتذكر

قيل له ذات يوم: أما عندك أربعة فلوس تشتري بها تمراً يا برنس؟

 

سعيد الهزار  

كاتب عراقي

 

دخلَ الشريف غازي الكلية العسكرية، فقد قبل في الصف الثاني.. وكانت الكلية عبارة عن قاعتين.. كان ينام الشريف غازي مع الطلاب الآخرين في قاعة واحدة ثلاث سنوات تباعاً ما عدا السنة الأخيرة.

 فقد أخذ غازي ينام في غرفة ضباط الصف من التلاميذ وهم أربعة من مساعدي الضباط من الصف المتقدم وكان يتناول وجباته الثلاث مع الطلاب على منضدة واحدة.

كان غازي يبدو طالباً اعتيادياً ولم يشعر الطلبة ان هذا الذي معهم هو (الأمير غازي) والمرشح لعرش العراق من بعد أبيه كان يتعايش مع اخوانه الطلاب عيشة البساطة والأخوة في النوم والأكل والتدريب عدا يوم الخميس مساءً إذ كان الأمير غازي ينزل الى منزله ونجده في اليوم الثاني الجمعة مساءً وقد عاد الى الكلية وكان المرافق الأقدم للملك فيصل، خالد الزهاوي مسؤولاً عن مرافقة غازي من الكلية يوم الخميس وأعادته مساء الجمعة.. لقد كان للشريف غازي صداقة مع بعض الطلبة ولكن بشكل عام كان مسالماً، محباً لكل الطلبة وقد لا يصدق ان قلت انه كان يشكو بعض الطلبة ازاء بعض مواقفهم المزاحية التي لم تكن تناسبه ويذكر انه جاء يشكو زميلا كرديا وهو زكي عزيز (من كويسنجق).. وقال لأحدهم: أرجو ان تنبه (زكي) ان يكف عن ممازحته لي.. وكانت علاقته بفؤاد عارف قوية جداً.. ومرة قال له: تعال يا فؤاد أجلس معنا.. فقال: لا أجلس معكم..

 قال: لماذا؟

قال:

 أخشى ان تصبح ملكاً ويصبح هؤلاء الجالسون معك وزراءك.. فقال: وأنت ماذا تريد؟ قال:

 حينذاك أرغب ان أكون متقاعداً فضحكنا جميعاً ولم يكن يدري ان الأقدار ستجعله من بعد مرافقاً له وموضع ثقة العائلة المالكة آنذك.

كان الأمير غازي يحب مهنته بوصفه طالباً في الكلية العسكرية..

 فقد كان نشطاً ومتميزاً بين أقرانه يحب الرياضة كثيراً وكان أحسن فارس في الكلية ومن المتقدمين بجدارة، كان يبدو سعيداً بدراسته في الكلية العسكرية وربما كان مبعث هذا ما عاناه من الدراسة في بريطانيا، لأنه كما علمنا (والكلام لفؤاد عارف) انه لم يكن راغباً في الدراسة خارج العراق وقد تعثرت دراسته هناك وانتقل من مسكن الى آخر ومن مدرسة الى أخرى وقد اختبر له أكثر من معلم هناك وتعددت التقارير عنه فزادت من معاناته وأنا أعتقد ان أكثر من عامل كان له دوره في فشله الدراسي في انكلترا.. فلقد كان غازي يحمل عقدة إزاء الأنكليز حملها معه منذ الصغر عندما وجد جده الحسين في حالة بائسة جداً من خلال المعاملة السيئة التي عومل بها الى درجة ان عينيه كانتا تمتلئان بالدموع عندما يتذكر جده الحسين وما آل اليه من حال بيد الانكليز حتى عندما أصبح ملكاً على عرش العراق لم تفارقه هذه الحالة كذلك كان غازي متعلقاً بأمه فلم يستطع الابتعاد عنها في ذلك العمر المبكر فقد كان في الرابعة عشرة من عمره حين أرسل الى انكلترا هذا علاوة على التعامل الخاص معه وشعوره بالاغتراب المفاجئ عن نمط الحياة الشرقية التي قد اعتادها في الحجاز وبعد وصوله الى العراق وهو في الثانية عشرة من عمره.

 ومن الذكريات الطريفة التي أتذكرها (بحسب قول فؤاد عارف) اننا كنّا نرمي الحجارة على نخلة كي يتساقط منها التمر قرب الكلية والأمير غازي معنا يفعل مثلما نفعل وكنا نشعر بسعادة غامرة ونحن نجمع التمر الزهدي المتساقط وبادره زكي عزيز قائلاً:

ـ أما عندك أربعة فلوس تشتري بها تمراً يا برنس حتى جئت ترمي الحجارة لتسقط التمر! قال الأمير غازي:

 يا ناس خاطر الله مو آني هم يعجبني ألعب وأعمل مثلكم..!

 

 

 

 

 

شاعر العرب الكبير الجواهري

 والذكرى الأولى لثورة 14 تموز 1958

 

رياض العزاوي

كاتب عراقي

 

كانتْ لشاعر العراق والعرب الكبير الأستاذ محمد مهدي الجواهري قصيدة رائعة القيت من دار الاذاعة العراقية بمناسبة الذكرى الأولى لثورة 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وتدشين العهد الجمهوري في العراق وجها الى الشعب العراقي بتأريخ 17/ تموز من عام 1959 يعلمه فيها كيف ينزل الى سوح النضال ويسترخص الدماء في سبيل رفعة البلد ورقيه واعتلاء ناصية المجد على طريق التقدم والنهوض الحضاري.. جاء فيها:

قل للشباب تحفزوا وتحشدوا

وتالبوا وتأهبوا للطارئات.. فانها تتأهب

فيجد ما سيطول.. اعجاب به وتعجب

فيزول ما كنا.. نقول مشرق ومغرب

فنكون رابطة الشعوب مبغض ومحبب

المشرق الواعي بخط مصيره والمغرب

فهنا دم يتعهد الجيل الجديد فيكتب

وهنا كفاح في سبيل تحرر وتوثب

وهنا جماهير يخب بها زعيم أغلب

ان الحياة طريقها وعر.. بعيد.. مجدب

عرق الجبين هي الدماء فريقها يتصبب

 ومن الجماجم ما يعيق الواهمين ويرهب

ويسترسل شاعرنا الكبير قي قصيدته الطويلة الرائعة التي تقتطع منها أجزاء لعدم وضوح الخط الذي نشرته احدى الصحف المحلية في تلك الفترة لكثرة الأخطاء المطبعية وهي اللازمة التي كانت عليها الصحف العراقية لبدائية المطابع في ذلك الوقت.

ويختتم شاعر العصر الجواهري القصيدة بالقول:

وتنادروا هما كما ناغى جنيدب جندب

خطواتهم وشفاهم ورؤوسهم تترتب

نسقاً كما الأجر ضعفه صناع مدرب

ان الحياة سريعة وجريئة لا تغلب

 تسري بأثقال السنين وراءها وتعقب

وتدوس من لا يستطيع لحاقها

وقد حظيت القصيدة بالاهتمام الكبير من قبل الشباب المثقف ومحبي شاعرنا الكبير وأثارت حماسة وتعاطف الأوساط الأدبية وأخذت الجماهير تردد أبيات القصيدة في المجالس والمقاهي الأدبية ومجالس الأدب والشعر.

ـ المحرر:

نأمل ان نكون قد وفقنا في نقل قصيدة شاعرنا الكبير والتوصل الى فهم مضمون القصيدة..

 ونعتذر لحصول بعض الأخطاء للأسباب والظروف التي بينها في متن الموضوع..

نلتمس عذر قارئ الذاكرة لمعرفته الواعية بظروف النشر في تلك الحقبة الماضية من تأريخ العراق..